Featured Video

شهادات وإفادات ووثائق

شهادات .. إفادات .. وثائق .. وتوثيق
أعدها للنشر: عبدالقادر محمد


قبل أن اقدم علي  إعداد هذه الشهادات، والإفادات  للنشر، والعمل على توثيق تجارب ضحايا التعذيب و الانتهاكات الفظيعة




لحقوق الإنسان، فكرتُ عميقاً وترددتُ كثيراً، وطرحتُ على نفسي العديد من الاسئلة: لماذا نقوم بنشر هذه الشهادات /المآسي ؟ و ماهي الفائدة من نشر هذه الفظائع والانتهاكات التي ارتكبت ضد أبناء شعبنا ؟ ولماذا في هذا  التوقيت بالذات؟ فكانت الإجابة الحاسمة هي : أنّ التفكير في فتح ملفات التعذيب الآن هو واجب اللحظة الحاضرة من تاريخ الوطن، خصوصاً وأنّ البلاد تمر بمرحلة انتقال يتوجب فيها إعمال مبادئ العدالة الانتقالية لطي صفحة الماضي الأليم ، وبداية صفحة جديدة من عمر الوطن تتطلب وبشكل مُلح وعاجل انصاف ضحايا انتهاكات حقوق الانسان الحادة التي كرس لها نظام الجبهة الاسلامية في مطلع عهده الأسود..وكذلك التفكير في ايجاد سبيل لإنصاف ضحايا التعذيب وليس مجرد مشاركتهم الآلام النفسية التي يعايشونها بشكل يومي من جراء ما تعرضوا له من تعذيب .. بجانب ذلك فإن نشر هذه الشهادات أيضاً مرتبط بالتقدير الذي يجب أن يجده ضحايا التعذيب، والمساندة المعنوية ورد الإعتبار لهم وللفت انتباه الجميع لأهمية التذكر وقيمته المعنوية.
فتذكر الماضي يتيح نوعاً من تكريم أولئك الذين ماتوا تحت آلة التعذيب الجهنمية،أو تمت التضحية بهم. غير أن آليات التذكر يمكن أن تساهم في بلوغ أهداف أخرى للعدالة الانتقالية، بما في ذلك البحث عن الحقيقة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلا، وتحفيز الحوار والنقاش حول الماضي، ووضع سجل تاريخي مناسب، والإنصات لأصوات الضحايا ومتابعة الأهداف المرتبطة بجبر أضرار الضحايا.
وايضاً هي مساهمة  في سبيل العمل على بلوغ  أهداف العدالة الانتقالية، بما في ذلك تحقيق العدالة والمحاسبة، وإظهار الحقيقة، وجبر الأضرار، وضمان عدم تكرار ما جرى. إضافة إلى كل ذلك، غالبا ما يكون هناك مطلب بالتذكر
وبالتذكر ينخرط الناس في حوار حي وديناميكي ودائم، ليس فقط حول الماضي – وأحداثه ودلالاتها – بل أيضا حول الطريقة التي يستفيد بها الحاضر من هذا الماضي ويمكن المجتمعات من استعداد أفضل للمستقبل.         
أمام الانتشار الواسع لانتهاكات حقوق الإنسان، أصبح لزاما على الحكومات ليس فقط التصدي لمرتكبي هذه التجاوزات بل أيضا ضمان حقوق الضحايا. وبوسع الحكومات أن تهييء الظروف الملائمة لصيانة كرامة الضحايا وتحقيق العدل بواسطة التعويض عن بعض ما لحق بهم من الضرر والمعاناة. وينطوي مفهوم التعويض على عدة معان من بينها التعويض المباشر (عن الضرر أو ضياع الفرص)، رد الاعتبار (لمساندة الضحايا معنويا وفي حياتهم اليومية) والاسترجاع (استعادة ما فقد قدر المستطاع).
ويمكن التمييز بين التعويضات بحسب النوع (مادية ومعنوية) والفئة المستهدفة (فردية / جماعية). ويمكن أن يتم التعويض المادي عن طريق منح أموال أو حوافز مادية، كما يمكن أن يشمل تقديم خدمات مجانية أو تفضيلية كالصحة والتعليم والإسكان. أما التعويض المعنوي فيكون مثلا عبر إصدار اعتذار رسمي، أو تكريس مكان عام (مثل متحف أو حديقة أو نصب تذكاري) أو إعلان يوم وطني للذكرى.
أما الأهداف المتوخاة من تدابير التعويض (سواء كانت مادية أو معنوية) فهي عديدة ومتنوعة ومن بينها الإقرار بفضل الضحايا جماعات وأفراداً، وترسيخ ذكرى الانتهاكات في الذاكرة الجماعية، تشجيع التضامن الاجتماعي مع الضحايا، إعطاء رد ملموس على مطالب رفع الحيف وتهيئة المناخ الملائم للمصالحة عير استرجاع ثقة الضحايا في الدولة. إضافة إلى أن مبدأ التعويضات أصبح إلزاميا بموجب القانون الدولي.

الشهيد الدكتور علي فضل   
حوالي الساعة الخامسة  من فجر يوم السبت 21 أبريل 1990 فاضت روح الشهيد علي فضل أحمد الطاهرة في قسم الحوادث بالمستشفى العسكري باُمدرمان نتيجة التعذيب البشع، الذي ظل يتعرض له خلال فترة اعتقال دامت 52 يوماً منذ اعتقاله من منزل اُسرته بالديوم الشرقية مساء الجمعة 30 مارس 1990 ونقلِه إلى واحد من أقبية التعذيب التي أقامها نظام الجبهة غداة استيلائه على السلطة في 30 يونيو 1989. وطبقاً للتقرير الذي صدر عقب إعادة التشريح، ثبت أن الوفاة حدثت نتيجة “نزيف حاد داخل الرأس بسبب ارتجاج في المخ ناتج عن الإرتطام بجسم صلب وحاد”. وعندما كان جثمان الشهيد علي فضل مسجياً بقسم حوادث الجراحة بمستشفى السلاح الطبي باُمدرمان سُجلت حالة الجثة كما يلي:  
• مساحة تسعة بوصات مربعة نُزع منها شعر الرأس إنتزاعاً.     
• جرح غائر ومتقيّح بالرأس عمره ثلاثة أسابيع على وجه التقريب.       
• إنتفاخ في البطين والمثانة فارغة، وهذه مؤشرات على حدوث نزيف داخل البطن.     
• كدمات في واحدة من العينين وآثار حريق في الاُخرى (أعقاب سجائر).
عندما يمارس البشر التعذيب فإنهم يهبطون إلى مرحلة أدنى من الوحوش، ذلك أن الوحوش لم يعرف عنها ممارسة التعذيب أو التنكيل الذي احترفه جلادو نظام الجبهة الذين عذبوا الشهيد علي فضل أحمد حتى الموت.
فهؤلاء قد هبطت بهم أمراضهم وعقدهم النفسية واضطرابات الشخصية إلى درك سحيق لا تصل إليه حتى الوحوش والحيوانات المفترسة. ليس ثمة شك في أنّ الجلادين المتورطين في تعذيب علي فضل حتى الموت قد تربوا في كنف تنظيم الجبهة الإسلامية على مبادئ فكرية وسياسية تجعل الفرد منهم لا يتورع عن الدوس على آدمية وكرامة الآخرين وقدسية الحياة ولا يترددون لحظة في إذلال وتعذيب البشر حتى الموت.
** خـلـفـيـة :
كان للإضراب الذي نفذه الأطباء السودانيون إبتداءً من يوم الأحد 26 نوفمبر 1989 أثراً قوياً في كسر حاجز المواجهة مع نظام الجبهة الفاشي الذي استولى على السلطة أواخر يونيو من نفس العام بإنقلاب عسكري أطاح حكومة منتخبة ديمقراطياً. وبقدرما أذكى ذلك الإضراب روح المقاومة ومواجهة الطغمة التي استولت على السلطة بليل، أثار في المقابل ذعراً واضحاً وسط سلطات النظام الإنقلابي الذي بدأ حملة ملاحقات وقمع وتنكيل شرسة وسط النقابيين والأطباء على وجه الخصوص. وفي غضون أيام فقط جرى اعتقال عشرات الأطباء، الذين نقلوا إلى بيوت الأشباح التي كان يشرف عليها في ذلك الوقت “جهاز أمن الثورة”، وهو واحد من عدة أجهزة أمن تابعة لتنظيم الجبهة الإسلامية ومسؤولة عنه مباشرة قياداته الأمنية: نافع علي نافع والطيب سيخة وعوض الجاز. كما ان فرق التعذيب التي مارست هذه الجريمة البشعة ضد عشرات الأطباء كانت بقيادة عناصر الجبهة الإسلامية من ضمنهم قيادات بارزة البوم بحزب المؤتمر الوطني.
 ** الإعـتـقـال ووقـائـع الـتـعـذيـب :
• ما حدث للشهيد علي فضل يُعتبر جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد لأنّ كل حيثياتها تؤكد ذلك. فقد توعّد العقيد (الرتبة التي كان يحملها عند حدوث الجريمة( الطيب إبراهيم محمد خير –الطيب سيخة- باعتقال علي فضل واستنطاقه ودفنه حياً وتعامل مع هذه المهمة كواجب جهادي، وهو قرار اتخذه الطيب سيخة قبل اعتقال علي فضل، فقد تسلّم الطيب سيخة (عضو لجنة الأمن العليا التي كان يترأسها العقيد بكري حسن صالح)(مطلع ديسمبر 1989 تقريراً من عميل للأمن يدعى محمد الحسن أحمد يعقوب أورد فيه أن الطبيب علي فضل واحد من المنظمين الأساسيين لإضراب الأطباء الذي بدأ في 26 نوفمبر 1989.
• اعتُقل الشهيد علي فضل مساء الجمعة 30 مارس 1990 ونقل على متن عربة بوكس تويوتا الى واحد من أقبية التعذيب، واتضح في وقت لاحق ان التعذيب قد بدأ ليلة نفس اليوم الذي اعتُقل فيه. وطبقاً لما رواه معتقلون آخرون كانوا في نفس بيت الاشباح الذي نقل إليه، اُصيب علي فضل نتيجة الضرب الوحشي الذي تعرض له مساء ذلك اليوم بجرح غائر في جانب الرأس، جرت خياطته في نفس مكان التعذيب وواصل جلادو الجبهة البشاعة واللاإنسانية التي تشربوها فكراً واحترفوها ممارسة.
• إستمرار تعذيب الشهيد علي فضل على مدى 52 يوماً منذ اعتقاله مساء 30 مارس 1990 حتى استشهاده صبيحة 21 أبريل 1990 يثبت بوضوح إنه هزم جلاديه، الذين فشلوا في كسر كبريائه وكرامته واعتزازه وتمسكه بقضيته. ومع تزايد وتائر التعذيب البشع اُصيب الشهيد علي فضل بضربات في رأسه تسببت في نزيف داخلي حاد في الدماغ أدى الى تدهور حالته الصحية. وحسب التقارير الطبية التي صدرت في وقت لاحق، لم يكن على فضل قادراً على الحركة، كما حُرم في بعض الأحيان من الأكل والشرب وحُرم أيضاً من النظافة والإستحمام طوال فترة الإعتقال.
• نُقل الشهيد علي فضل فجر يوم السبت 21 أبريل الى السلاح الطبي وهو فاقد الوعي تماماً، ووصف واحد من الأطباء بالمستشفى هيئته قائلاً: “إن حالته لم تكن حالة معتقل سياسي اُحضر للعلاج وإنما كانت حالة مشرد جيء به من الشارع…. لقد كانت حالته مؤلمة… وإنني مستعد أن اشهد بذلك في أي تحقيق قضائي يتقرر إجراؤه”.
• العاملون بحوادث الجراحة بالمستشفى العسكري اضطروا للتعامل مع حالة الشهيد علي فضل كمريض عادي دون التزام الإجراءات القانونية المتعارف عليها وذلك بسبب ضغوط رجال الأمن الذين أحضروا الشهيد بخطاب رسمي من مدير جهاز الأمن وأيضاً بسبب تدخل قائد السلاح الطبي، اللواء محمد عثمان الفاضلابي، ووضعت الحالة تحت إشراف رائد طبيب ونائب جراح موال للجبهة الإسلامية يدعى أحمد سيد أحمد.
• فاضت روح الطبيب علي فضل الطاهرة حوالي الساعة الخامسة من صبيحة السبت 21 أبريل 1990، أي بعد أقل من ساعة من إحضاره الى المستشفى العسكري، مما يدل على أن الجلادين لم ينقلوه إلى المستشفى إلا بعد أن تدهورت حالته الصحية تماماً وأشرف على الموت بسبب التعذيب البشع الذي ظل يتعرض له.
• بعد ظهر نفس اليوم أصدر طبيبان من أتباع تنظيم الجبهة،هما بشير إبراهيم مختار وأحمد سيد أحمد، تقريراً عن تشريح الجثمان أوردا فيه ان الوفاة حدثت بسبب “حمى الملاريا”، واتضح لاحقاً أن الطبيبين أعدا التقرير إثر معاينة الجثة فقط ولم يجريا أي تحليل أو فحص. وجاء أيضاً في شهادة الوفاة (رقم 166245)، الصادرة من المستشفى العسكري باُمدرمان والموقعة بإسم الطبيب بشير إبراهيم مختار، أن الوفاة حدثت بسبب “حمى الملاريا”.
• بعد اجتماعات متواصلة لقادة نظام الجبهة ومسؤولي أجهزته الأمنية، إتسعت حلقة التواطؤ والضغوط لاحتواء آثار الجريمة والعمل على دفن الجثمان دون اتباع الإجراءات القانونية اللازمة. فقد مارس نائب مدير الشرطة، فخر الدين عبد الصادق، ضغوطاً متواصلة لحمل ضباط القسم الجنوبي وشرطة الخرطوم شمال على استخراج تصريح لدفن الجثمان دون اتباع الإجراءات القانونية المعروفة، فيما فتحت سلطات الأمن بلاغاً بتاريخ 22 أبريل بالقسم الجنوبي جاء فيه ان الطبيب علي فضل أحمد توفي وفاة طبيعية بسبب “حمى الملاريا”. العميد أمن عباس عربي وقادة آخرون في أجهزة الأمن حاولوا إجبار اُسرة الشهيد على تسلُّم الجثمان ودفنه، وهي محاولات قوبلت برفض قوي من والد الشهيد واُسرته التي طالبت بإعادة التشريح بواسطة جهة يمكن الوثوق بها.
• إزاء هذا الموقف القوي اُعيد تشريح الجثة بواسطة أخصائي الطب الشرعي وفق المادة (137 ((إجراءات اشتباه بالقتل) وجاء في تقرير إعادة التشريح أن سبب الوفاة “نزيف حاد بالرأس ناجم عن ارتجاج بالمخ نتيجة الإصطدام بجسم حاد وصلب”، وبناءً على ذلك فُتح البلاغ رقم 903 بالتفاصيل الآتية: – المجني عليه: الدكتور علي فضل أحمد-المتهم: جهاز الأمن -المادة: 251 من قانون العقوبات لسنة 1983 (القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد).لم تتمكن (العدالة) من النظر في القضية وأوقفت التحريات نتيجة الضغوط المتواصلة والمكثفة من نظام الجبهة ورفض جهاز الأمن تقديم المتهمين الأساسيين للتحري، أي الأشخاص الذين كان الشهيد تحت حراستهم ، وهم المتهمون الأساسيون في البلاغ. الآتية أسماؤهم شاركوا، بالإضافة إلى الطيب سيخة، في تعذيب د. علي فضل (أسماء حركية وأخرى حقيقية لأن غالبية الجلادين كانوا يستخدمون أسماء غير حقيقية) -نقيب الأمن عبد العظيم الرفاعي -العريف العبيد من مدينة الكوة -نصر الدين محمد – العريف الأمين (كان يسكن في مدينة الفتيحاب بامدرمان)-كمال- حسن (إسمه الحقيقي احمد محمد وهو من منطقة العسيلات) -عادل سلطان- حسن علي (واسمه الحقيقي أحمد جعفر)- عبد الوهاب محمد عبد الوهاب (إسمه الحقيقي علي أحمد عبد الله… من شرطة الدروشاب)-نصر الدين محمد- الرقيب الأمين (كان يسكن بمدينة الفتيحاب بامدرمان)- الرقيب العبيد (كان يسكن في سوبا مطلع التسعينيات وهو عضو بالجبهة القومية الاسلامية) – علي الحسنK ويبقى القول أنّ جلادي وقتلة علي فضل معروفون…. وسيطالهم القصاص… هم وكل من كان في موقع مسؤولية في سلطات النظام في ذلك الوقت ابتداءً من أفراد الأمن وحتى مجلس قيادة الإنقلاب والمجلس الأربعيني وعناصر وقيادات الجبهة التي كانت تدير دولة القهر والبطش من خلف كواليس اُخرى.  
** الشهيد المهندس أبو بكر محى الدين راسخ:
اغتيل غدراً فى شهر اكتوبر سنة 1992 بطريقة قذرة ولا انسانية عكست مدي همجية  ووحشية من اغتالوا أبوبكر الراسخ من افراد أمن الجبهة الاسلامية
  كان الشهيد أبو بكر الراسخ (وهو مهندس طيران خريج احدى الجامعات الروسية الشهيرة )، فى ليلة اغتياله كان يقود سيارة من منزلهم بالثورة متجها الى منزل شقيقته بالحاج يوسف فقابلته سيارة أمن كانت تتابعه وطلبوا منه النزول فأوقف سيارته
ونزل وهم فى سيارتهم أطلقوا عليه النار حتى سقط على الأرض ثم داسوا جسده بالسيارة . رفض أهله وذويه ومعارفه وجيرانه دفنه حتى يتم القبض على القتلة .
** اعدام جرجس ومجدي :
في آواخر ديسمبر عام 1989 تلقى الاقباط اول إشارة من إشارات التوجه الحضاري  الاسلامي ، المشروع الذي طرحته الجبهة الاسلامية القومية عشية انقلابها علي الديمقراطية، صدرت الاشارة من محكمة في الخرطوم . تلك المحكمة أطلق عليها ” المحكمة الخاصة”. حيث مثل مساعد طيار سوداني يعمل في الخطوط السودانية يدعى جرجس القس بسطس امام تلك المحكمة . كانت التهمة هي تخريب الاقتصاد الوطني وخرق قانون التعامل بالنقد الاجنبي . قال الادعاء في المحكمة إن مساعد الطيار جرجس ضبط متلبساً بمحاولة تهريب حوالي 95 الف دولار مع شيكات بمبلغ 800 دولار ، وشيك آخر بمبلغ دولاراً 150 و175 ريالاً سعودياً و 840 جنيهاً مصرياً . لم تستغرق محاكمة جرجس طويلاً ، وصدر ضده حكم بالاعدام شنقاً حتى الموت . نفذ فيه حكم الاعدام فجراً في سجن كوبر في فبراير عام 1990 . تعرض جرجس الى إهانات بالغة وتعذيب قاسي خلال فترة اعتقاله ، كما تعرض لضغوط نفسية رهيبة ، حيث كان يستدعي عدة مرات على أساس أن ينفذ فيه حكم الاعدام لكنه يعاد إلى زنزانته.
حكم علي  جرجس بالاعدام ونفذ  الحكم ، وبنفس التهمة (تخريب  الاقتصاد) تم تنفيذ  حكم الاعدم جوراً  علي مجدي وهو شاب سوداني آخر تم اعدامه بلا أدلة جنائية كافية وبلا ذنب جناه.
بعد اليوم الرابع للاعتقال بدأنا في ترتيب الأوضاع الداخلية للزنزانة؛ للخروج من حالة الترقب والقلق والتكيف مع البيئة الجديدة واضعين في الاعتبار أنّ اقامتنا فيها ستطول فحددنا في اولويانتا ضرورة معرفة الموقع وأسماء الجلادين وأشكالهم وقيادتهم الحقيقية ورتبهم العسكرية
كانت أصوات حركة القطارات وأصوات الحراسات العسكرية الليلية أول دليل ومؤشر على أنّ الموقع قرب القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة. وكنّا في سبيل انجاز هذا الواجب نستفيد قدر المستطاع من مواعيد الخروج لدورة المياه والتي كانت تتم مرة واحدة فقط في اليوم خلال الفترة الصباحية وتحت الحراسة المشددة والضرب المتواصل بالسياط من وإلى دورة المياه مع الطرق المتواصل على أبواب دورة المياه بغرض الاستعجال وتشتيت الذهن. كل هذه المعاملة الوحشية واللا إنسانية كانت توحي لنا بأنّ تأمين الموقع كان مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للجلادين وقياداتهم ؛مما زاد من اصرارنا على معرفة الموقع. وهكذا الإنسان الذي يملك فكرة دائماً تسكنه روح العناد والمثابرة خاصة في أوضاع التحدي و الأوضاع غير الطبيعية. وبعد طول إجتهاد وربط بين الأشياء واستغلال الثقوب بباب الزنزانة ودورة المياه تم تحديد الموقع ومعرفة المكان وهو مقر لجنة الانتخابات للعام 1986 بالخرطوم واكتشفنا وجود معتقلين آخرين بنفس المقر وذلك من خلال تحركهم من وإلى دورات المياه المصحوب بالضرب والاهانات. وكان هذا أول انتصار على آلة التعذيب الجهنمية، ومن الملاحظات التى كانت مسار تعليق ونقاش المعتقلين أنّ الجبهة القومية الإسلامية لم تكتف بالاعتداء على الديمقراطية ممثلة في الأحزاب، والنقابات، والحريات العامة والأفراد بل شمل أيضاً مواقع الديمقراطية وتحويلها إلى مراكز للاعتقال والتعذيب مثل مقر لجنة الانتخابات ودار نقابة المحامين السودانيين. ومواصلة لكسر حالة الانتظار وجو الكآبة ابتدع بعض المعتقلين لعبة السيجة بعد أن تم جمع الحصى من أركان الزنزانة وتنظيفها من آثار الزيوت والغبار. وبدأت تسود فى الزنزانة روح التحدي والبطولة وتخيم علينا روح المنافسة، فتمسكنا بالحصى وأصبحت عزيزة علينا، حافظنا عليها بكل الطرق حتى لايصادرها أعداء اللهو البرئ ولقد علق أحدنا: “وهكذا الشيوعيون ينتزعون الابتسامة من فم التماسيح وينسجون الأمل وسط الأشباح” وتلطيفاً للحياة داخل الزنزانة وجعلها اقل ألاماً وعذابا،ً شرعنا في حملة إبادة للباعوض من داخل الزنزانة، هذا الباعوض الذي تحالف مع الجلادين وانابة عنهم في بعض الأوقات في تعذيبنا وحرماننا ولو من قليل من استعادة الأنفاس؛ لمواجهة القادم المجهول أجهضها الجلادون محذرين قائلين أنّ الباعوض جزء من العهدة بالزنزانة يجب المحافظة عليها وتسليمها كاملة العدد عند تمام الصباح وفي حالة فقدان باعوضة سيتم تنفيذ حد السرقة على الجميع!!!
تواصل مسلسل التعذيب
حالة من الحزن تخيم على الزنزانة والمعتقلين يتوسدون أذرعهم سابحين في ذكرياتهم وأفكارهم وأنا أراجع مسيرة حياتي واتأمل، اتأمل هولاء الرجال المفترشين الأرض من خيرة أبناء السودان قدموا عصارة حياتهم للشعب والوطن، ولم ينلوا سوى الاعتقال والتشـريد والتعذيب وفجأة انفتح باب الزنزانة بقوة، واقتحمها أحد الجلادون ويدعى بـدران “اسم حركي” وهو في حالة غير طبيعية كاشفاً عن وجهه وانهال علينا بالشتائم المقزعة والاساءة الجارحة، والركل، والضرب بالسياط ولم يستثنى حتى كبار السن والمرضى. وقام باختياري والزميل إبراهيم نصرالدين لممارسه هوايته في الاستمتاع بتعذيب الآخرين، وطلب مني خلع القميص الذي ارتديه والانبطاح على الأرض وبدأ في تمزيق ظهري بالسياط حتى سالت الدماء، ثم قام بصفعي بتواصل حتى تقهقرت إلى الحائط وواصل ضرب رأسي على الحائط، ثم تحول إلى الزميل إبراهيم نصرالدين وأذاقه من نفس ألوان التعذيب، وأرغم الزميل قاسم حمدالله على صب جردل من الماء البارد على الزملاءعبدالمنعم عبدالرحيم وعبدالمنعم محمد صالح بعد أن أجبرهما على خلع ملابسهما وقام بجلدهما بالسياط وخرج مهدداً ومتوعداً بالمزيد من التعذيب، وسادت حالة من الغضب على المعتقلين، وانتابتنى حالة من القرف ودارت برأسى الكثير من الاسئلة، لماذا كل هذا الصبر والتحمل؟ أليس الدخول فى معركة حاسمة هوالخيار ألافضل؟ ماذايريد هؤلاء الناس؟ وفي منتصف الليل أصيب الزميل جعفر بكري بمغص حاد يصعب معه الانتظار حتى مواعيد الخروج لدورة المياه في الصباح فهبّ المعتقلون لمساعدته وعُثر على كيس نايلون استخدمه الزميل جعفر لقضاء حاجته.    
الجلاد بدران      
ظل الجلادون طوال فترة التعذيب يستخدمون أسماء حركية “بدران، نوح، نبيل، جكس، محمد الحاج، عوض …الخ وقد ساهموا جميعاً وبنشاط في تنفيذ عمليات التعذيب ولكن حالة هذا البدران كانت مختلفة، أوصافه قمحي اللون، أجعد الشعر الثغ اللسان يدعي أنّه من أبناء كسلا بشرق السودان سلوكه ينم عن نفس مريضة ومعقدة كان يعامل المعتقلين بقسوة ويتلذذ بتعذيبهم والإساءة لهم قاموسه لا يحتوي إلا على الألفاظ البذيئة والساقطة وظل يفخر بأنّه يعمل بجهاز الأمن منذ أن كان طالباً بالمرحلة الثانوية العامة، ولقد كنت طوال فترة التعذيب هدفاً له ضاعف لي جرعات التعذيب والإساءة، حاولت قدر المستطاع أن أجد تفسيراً لهذا الاستهداف ولكن دون جدوى.       
المحاضرة           
في اليوم السابع للاعتقال وفي حوالي الساعة السادسة مساءً تمّ اخراجنا جميعاً من الزنزانة للاستحمام في درجة عالية من البرودة وسط استهزاء الجلادين واساءاتهم واستعدادهم غير الطبيعي الأمر الذي أشعرنا بأنّ شخصية هامة قادمة للزنزانة. ولم يدم انتظارنا طويلاً إذا دخل علينا نقيب بزيه العسكري بصحبة مجموعة من الجلاّدين المزودين بالأسلحة، والرشاشات وألقى علينا محاضرة عن السودان والوطنية واختراقات الاستخبارات الأجنبية للأحزاب وشتم الديمقراطية ثم هددنا وتوعدنا بالتصفية الجسدية وخرج وخلفه خرجت مجموعات الجلادين.
وفي منتصف الليل دوى طرق متواصل على باب الزنزانة وأمرنا بعصب أعيننا والوقوف على الحائط وقام أحد الجلادين بقراءة مجموعة من أسماء المعتقلين وهم هاشم محمد أحمد، د. حمودة فتح الرحمن، قاسم حمدالله، عبدالمنعم محمد صالح، عبدالمنعم عبدالرحيم، جعفر بكري علي، إبراهيم نصرالدين، الشيخ خضر، وأمرهم وهو يتقدمهم بالخروج من الزنزانة متماسكي الأيدي معصوبي الأعين وهكذا رحلوا إلى المجهول، ثم اُغلق باب الزنزانة علينا. أصابني ومن تبقى معي من المعتقلين الإحباط والحزن والقلق على مصير من قاسمونا أحلك لحظات العمر وأتعس أيام الحياة. وفي صباح اليوم التالي دخل علينا الجلادون “يبشروننا” بأنّ رفاقنا قد تم اعدامهم بمعسكر الشجرة وعلينا أن نستعد لدورنا القادم لامحالة، ثم خرجوا بعد أن قدموا وجبتهم اليومية والمكونة من الضرب والاهانات. دخلنا في نقاش هامس حول رواية وادعاءات الجلادون وتم الاتفاق بيننا على تجاوز جوء الإحباط والتمسك بالأمل.
الزائرون الجدد  
الزنزانة تتسربل بالظلام ومن تبقى من المعتقلين يتجاذبون أطراف الحديث عن الممكن والمستحيل والأمل، واللا أمل وفجأة انفتح باب الزنزانة وتخيلتُ أنّ الجلادين قادمون لسحبنا لساحات الإعدام ولكنهم دخلوا علينا ملثمين يقودون معتقلين جدد معصوبي الأعين يبدو عليهم التعب والارهاق وآثار التعذيب ثم خرج الجلادون بعد أن قاموا بتحذيرنا من الدخول في حديث مع الزوارالجدد تعرفناعلى الزائرين : محمدالنورالسيد رجل أعمال، صلاح طه مفتش بالتعاون، محمود كمير عامل بالمسبك المركزي، عوض الكريم محمد أحمد مهندس و أحد قيادات انتفاضة مارس أبريل، وشرعنا في التخفيف على ضيوفنا وتضميد الجراح، ورفع الروح المعنوية وتحدثنا إليهم عن أساليب، وطرق الجلادين وعكسنا لهم تجربتنا التي تجاوزت الثمانية أيام بلياليها الطوال، وحدثنا المعتقلون الجدد عن طرق اعتقالهم وأساليب تعذيبهم وتداولنا الأخبار بالخارج والتطورات والاحتمالات، وكان زميلنا المهندس عوض الكريم ملئ بالتفاؤل ومُصر على أنّ خلاصنا بات قاب قوسين أو أدنى، أضفى الزائرون الجدد جواً من المرح والتفاؤل على الزنزانة خاصة زميلنا محمد نور السيد الذي استمال بعض الجلادين بالوعود المالية، والخدمات السخية مما أضعف نفوس الجلادين وما أضعفها، الأمر الذي أدى إلى انفراجة سمحت بدخول علب السجائر مما مكّن الزملاء علي الماحى السخي وعوض الكريم محمد أحمد من صنع أدوات للعبة الشطرنج من قصاصات علب السجائر ودارت بينهما رحى منافسات كان يعلو فيها الصوت أحياناً مما يستدعي تدخلنا. وهكذا انتصر المعتقلون رغم أنف البندقية والحراسات المشددة وأدوات التعذيب وانتزعوا الأغنية الباسمة واللعب الشيق الجميل.
الترحيل إلى المجهول     
انطوت صفحات العام 1989 وأشرقت شمس العام 1990 فقام المعتقلون بتنظيف الزنزانة وتبادلوا التهاني والأمنيات بعام سعيد للجميع والوطن وأضاء الزميل عوض الكريم عوداً من الثقاب في عتمة الظلام… وهكذا كان احتفالنا بالعام الجديد رغم الواقفين خلف الأبواب مدججين بالسلاح والحقد والشرور. وفي منتصف الليل والجميع يفترشون الأرض ويتوسدون أذرعهم انطلقت الصيحات خلف باب الزنزانة مع الطرق المتواصل على بابها كالعادة تطالبنا بالنهوض وعصب أعيننا والاستعداد لساحة الاعدام، وقفنا متشابكي الأيدي معصوبي الأعين وخرجنا بقيادة أحد الجلادين وبمساعدتهم صعدنا إلى عربة وأمرنا بالانبطاح على أرضية العربة وتمت تغطيتنا بمشمعات سميكة وقال أحدهم في تهكم إنّّها شحنة يمكن السفر بها إلى مناطق العمليات العسكرية، وانطلقت العربة إلى المجهول، وبعد حوالي نصف الساعة من السير المتواصل توقفت العربة وتم انزالنا بنفس الطريقة المهينة متشابكي الأيدي، معصوبي الأعين، تنهال السياط علينا من كل جانب مصحوبةً بالشتائم ، وتم حشرنا في زنزانة أخرى أقلّ حجماً من السابقة واكتشفنا لاحقاً أنّ الموقع الجديد يقع بالقرب من سيتي بنك وأنّ بالموقع عددة زنازين مزدحمة بالمعتقلين ودارت نفس ماكينة التعذيب والاهانات والاساءات والارهاق النفسي والبدني؛ مما أدى إلى اصابة الزميل محمد النور السيد بمضاعفات منعته من القدرة على الوقوف والحركة وتنفيذ الأوامر وظل يطالب بعرضه على الطبيب بصورة دائمه فاضطر الجلادين إلى أخذه معصوب العينين إلى شخص يدعي أنّه طبيب أخذ يستفسره عن الأعراض التي تصيبه دون أن ينزع عنه العصابة أو يكشف عليه وذلك حسب رواية الزميل محمد النور السيد وأعيد للزنزانة دون أن يتلقى أي علاج وباشر زميلنا محمود كمير وكان أصغر المعتقلين سناً رعايته ومساعدته والاهتمام به، وهكذا تحول حتى الأطباء الموالين لنظام الجبهة الإسلامية القومية إلى جلادين يمارسون التعذيب إسوة بزملائهم فى أجهزة الامن ويمتنعون عن تقديم العلاج للمرضى متجاهلين قسم المهنة واخلاقها.
الصمت الرّهيب               
توقفت عجلةالحياة تماماً، انقطعت أصوات العربات ، أحاديث المارة، ضحكات الأطفال، انقطع الحبل السري الذي يربطنا بالناس فيمنحنا القوة والقدرة والأمل، ماذا حدث بالخارج؟ وماذا يحدث للناس؟. انهكنا التفكير وطالت تكهناتنا، هل حقاً تحققت نبوة الزميل عوض الكريم وانجلى هذا الكابوس وسنخرج مرفوعي الرؤوس نعانق الأهل والأصدقاء والحبيبة؟
حتى الجلادون تآمروا علينا هذا اليوم فلم يقدموا لنا وجبتهم اليومية المكونة من الضرب والاهانات، ليتهم يأتون فدوماً نلتفط الأخبار والمعلومات من أفواه الجلادين، وبعد طول انتظار وقلق دخل علينا الجلادون وبشرونا بالقبض على كل الكادر المختفي للحزب الشيوعي بعد فرض حظر التجوال فى مسرحية ما أسموه التعداد السكاني. سيطر علينا الإحباط فتدثرنا بالصمت والغضب رغم علمنا بأنّ حديث الجلادين دائماً يسعى للنيل من روحنا المعنوية.
الطلقة الطائشة   
الزنزانة تنعم بالهدوء والظلام والمعتقلون ينظفون بأياديهم الأرض التي يتوسدونها سابحين مع أفكارهم والأمل يتسرب عبر كوة صغيرة دوى صوت طلق ناري زلزل أركان المعتقل ومزق سكون الليل؛ فهبّ المعتقلون لاستجلاء الأمر عبر ثقوب باب الزنزانة ولكن دون جدوى ودارت الحوارات الهامسة بينهم واحتمالات التصفية والتي ظل شبحها يخيم على الجميع، وفي اليوم التالي ادعى الجلادون أنّهم قاموا بتصفية أحد المعتقلين أثناء محاولته للفرار وأطلقوا علينا سيلاً من التحذيرات والشتائم البذيئة، عرفنا فيما بعد ومن أحد الجلادين بأن الرصاصة انطلقت عن طريق الخطأ من أحد الحرّاس وهو يقوم بتنظيف سلاحه باستهتار ودون مبالاة إلاّ أنّ الرصاصة الطائشة لم تصب أحد.         

رعب وانكسار   
الأيام تتعاقب في رتابة وحزن والتعذيب أصبح غير ذي جدوى فتكراره علمنا كيفية تجاوزه وكيف تصبح مشاعرنا ومقاومتنا له أكثر ثقلاً من وطأته فنرجح كفة الحياة على كفة الطغيان والقهر، وبدون مقدمات اقتحم الجلادون الزنزانة وهم في حالة من الرعب والارتباك. حاولوا تبرير تصرفاتهم معنا وما قاموا به من تعذيب وسوء معاملة بأنّه كان تنفيذ لأوامر عليا لا دخل لهم فيها وأنّهم يتمنون خروجنا اليوم قبل الغد، وأنّهم ليسوا كما جاء بجريدة الميدان السرية لسان حال الحزب الشيوعي قتلة ومحترفي تعذيب. دوى اسم الميدان كبلسم شافي لكل الجراح والآلآم وتفتحت ملايين الأزاهير وتأكد لنا أنّ الحركة الثورية السودانية لم تنس إبناءها داخل بيوت الأشباح وأنّ المعلومات والأخبار تتسرب رغم البندقية والقضبان والسجان، فتفجرت فينا طاقات جبارة كافية لتحمل الصعاب والسير فى دروب الآلآم والمشاق، وقرأنا في عيون جلادينا الخوف والرعب والانكسار.           
نهاية المطاف     
بعد انقضاء أربعين يوماً من الاعتقال والتعذيب تم استدعائي واقتيادى معصوب العينين إلى ضابط التحقيق ودون أن يزيل العصابة عن عينيّ بدأ التحقيق معى :الإسم، العمر، مكان السكن، الانتماء السياسي. تساءلت داخل نفسى كيف يسمح ضابط سودانى لنفسه التحقيق مع معتقل بهذه الطريقة؟ وأي مؤسسة عسكرية يشرفها انتماء مثل هولاء الضباط لها؟ وزاد إيماني بأنّ الرعب وعدم الثقة بالنفس هما السمة المشتركة لجلادي النظام أجبت على الأسئلة بنفس الإجابات السابقة والتي لم ترضي المحقق فأتهمنى بإنني عضو قيادي بالحزب الشيوعي بالنيل الأبيض فأدركت بأنّ هذا الجهاز ورغم الامكانيات المادية والبشرية المتاحة له مصاب بمرض الأنيميا المعلوماتية، ثم هددني وتوعدني بمزيد من التعذيب وتم إرجاعى إلى الزنزانة واستدعاء آخرين وُجهت لهم تهم مختلفة. قضيت الليلة في حالة من الترقب والانتظار المميت للإنتقام ومعاودة عجلة التعذيب ولم تجدِ محاولة الزميل علي الماحى السخي وقفشاته وشعاره الدائم “دا كلو يبقى حكاوي” من انتزاعى من هذه الحالة، وفي منتصف الليل تم ترحيلنا معصوبي الأعين ودون تحديد للوجهة ولكن كل الدلائل كانت تشير إلى سجن كوبر وهو الحلم الذى ظل يراودنا طوال فترة الاعتقال والتعذيب وعند مدخل السجن اُطلق سراح أعيننا فكانت الفرحة طاغية والمشاعر مضطربة وعانق ضحايا التعذيب بعضهم البعض فقد انتصروا على آلة التعذيب الجهنمية.
محمد أحمد طالب في مقتبل العمر ، قصة حية تحكي عن بشاعة الإنسان حينما يصير جلاد مجرد من الإنسانية يرفع الإسلام شعاراً ويخفي حقيقته الهولاكية..

قابلته في السويد وحكى لي بعض من تجربته المؤلمة ولم أقوى على الاستماع..هو شيء لا يصدق..               

طالب صغير السن يجد منشور ويحمله ..تعتقله قوات الأمن لتمارس ضده كل أنواع البطش فقط أذكروا الاسم لأي وسيلة لا إنسانية يمكن أن تمارس ضد إنسان تجدونه قد تعرض لها..
الضرب في الرأس مما سبب له العمى ..إدخال زجاجة في فتحة الشرج ثم كسرها لتبقى الشظايا بالجسد النحيل.. الضرب بالسياط وبقبضة اليد…    

هي قصة مؤلمة سيقوم الأخ الدكتور حسن الجزولي بنشرها في كتاب يصدر قريباً
وأنا هنا أذكر فقط بعض القليل لوعد قطعته بعدم التفصيل…
ما زال هذا الإنسان الرائع يعاني الكوابيس ليلاً ويصرخ ألماً….
.بدأت رحلة علاجه من القاهرة حيث قامت المجموعة السودانية لضحايا التعذيب بتسفيره من الخرطوم للعلاج.. وانتقل ليكمل علاجه بالدنمارك حيث أجريت له العديد من العمليات الجراحية ولا يزال أمامه مشوار طويل..         

إنسان ودود لا تفارقه الإبتسامة والتفاؤل…وننتظر معك يا صديقي محمد أحمد عسى أن لا يطول انتظارنا.
abualasابو العاص
صباح اليوم 11 أيريل 2010 تبدأ نهاية مسرحية الانتخابات، ونبدأ نحن بدورنا بالمطالبة وإعادة المطالبة  بفتح ملف اغتيال الزميل المناضل محمد عبدالسلام بابكر المولود في 24 سبتمبر من العام 1971 بمدينة ود مدني العريقة. لأن قتلته يقدلون في ربوع وطننا الحبيب ويتنافسون لاكتساب شرعية زائفة تحميهم من يوم آتٍ. لا يفجع الروح ويفطر الفؤاد مثل الفقد؛ إنه أكثر الأحزان والآلام إيغالاً في الروح والبدن وأكثر مرارات الفقد تجلياً وفداحة هو الاغتيال، وتكون مرارة الفقد أقسى ما تكون إذا اقترنت بالشعور بالعجز وانعدام الحيلة وإذا ما جاءت منطوية على تعسف وظلم واغتصاب وتدمير للذات الانسانية … بعد ذلك يغدو كل الكلام في السياسة وكل التحليلات في جانب وحرمان حي من حياته وأب فقير من ابنه البكر إلى الأبد  وزرع الحسرة في قلب أمه وأخوته .. محمد عبدالسلام وزملاؤه بجامعة الخرطوم وعلى وجه الخصوص طلبة الداخليات من أقاليم السودان المختلفة لما يئسوا من الحملة السلمية، وكظم الغيظ، واشتداد الطغيان، تجاه سياسات الجبهة الاسلامية المتمثلة في الصندوق القومي لدعم الطلاب ابتدعوا مقاومة طلابية صلبة لسياسات الصندوق وتكتيكات سياسية جديدة لانتزاع الحقوق وفي 3\8\1998 تم اقتحام مكاتب ومخازن إدارة الصندوق عنوة واقتداراً ليتوزعوا بينهم “المراتب ” و”المراوح” و”لمبات النور”…..  (رد فعل السلطة مجروحة الكرامة “المخزنجية” كان تجريدة جنجويدية ثلاثية الأضلاع: قوات الأمن العام، قوات البوليس والطلبة الإسلاميين. أغارت هذه الجماعات على داخليات الطلبة حوالي الثالثة صباح الثلاثاء 4 أغسطس 1998 مدججة بالسلاح هدفها استرداد “مَرَاتِب” و”لمبات” و”مراوح” الدولة، هذا من جهة الغنيمة، ومن جهة الانتقام التنكيل بمن سولت لهم أنفسهم الأمارة “بالمَرَاتِب” عصيان قرار السلطة استبعادهم من جنات داخلياتها، وإتباع ذلك بانتهاك قدس مخازن الصندوق والسكن عنوة في غرفه “الملك الحر”. انهالت هراوات الحسم الحكومي على رؤوس الطلبة ضرباً مبرحاً بينما تلصص الطلبة الإسلاميون النظر بحثاً عن زملائهم من عضوية التنظيمات الديمقراطية فهم والحال “ثورة” خميرة الفتنة وعصابة الشر لا محالة. وجد الإسلاميون الزميل محمد عبد السلام نائماً على فرشه المسروق فوق سطح داخلية المناهل، وهو من هو في تراتب “العُصْبجية” المتمردين عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم (1998). بجوار محمد على سطح المناهل كان إثنين من رفاق دراسته، فاقتلعه القساة الضعاف من مخدعه ذاك ليقتاد رجال الأمن ثلاثتهم إلى غياهب عاد منه الإثنان. أما شهيدنا فأخر عهده بالدنيا التي نعرف كان شفق خرطومي أطل عليه فوق سطح أسمنتي يشرف منه على جامعة الخرطوم. لنا أن نتخيل ما الذي طاف بذهن شهيدنا والموت مطبق فكه عليه بفعل بني جلدته وزملاء دراسته، ذنبه “مَرْتَبة….” مجتز من مقال للكاتب مجدي الجزولي نشر بصحيفة الأيام”).
mohd-abdulsalam


غيض من فيض


ومــا خــفي أعـــــظم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟









0 التعليقات :

إرسال تعليق