Featured Video

البشير: ما يحدث في النيل الأزرق وجنوب كردفان مخطط أجنبي لتغيير النظام

البشير: ما يحدث في النيل الأزرق وجنوب كردفان مخطط أجنبي لتغيير النظام
الرئيس السوداني في حوار مع «الشرق الأوسط»: يريدون محاصرة مصر من بوابة السودان وليبيا
إمام محمد إمام
أكد الرئيس السوداني، عمر البشير، أن توسيع المشاركة في العمل السياسي العام من البرامج الثابتة للإنقاذ، ولكن المشاركة لا تعني بالضرورة المشاركة في الحكم، بل العمل السياسي العام، لذلك نحن نحاول إشراك أكبر عدد من الأحزاب في الحكومة. وأوضح أنهم قد توصلوا إلى اتفاق حول البرنامج العام مع الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل)، بينما ما زال الحوار مستمرا مع حزب الأمة. وقد تم الاتفاق على جوانب كثيرة بما يقارب 70 في المائة.
وقال الرئيس البشير في حوار مع «الشرق الأوسط» في منزله بالخرطوم إن ما حدث في جنوب كردفان والنيل الأزرق من تمرد يعتبر تراجعا كبيرا في مسيرة السلام، مضيفا: «إنني سبق وقد حذرت من هذا السيناريو بأن الاستفتاء ينجم عنه الانفصال ومن ثم تحدث الحرب الأهلية، لعلمنا التام بالتآمر على السودان». وكشف الرئيس السوداني أن ما حدث في جنوب كردفان هو مخطط أجنبي يهدف لتغيير النظام، «ونعرف من يقف خلفه». قال: «إحساسهم بأن الأمر في مصر قد خرج عن سيطرتهم وفشلوا في السيطرة على الساحة السياسية، لذا عليهم محاصرة مصر من بوابة السودان وليبيا».
واعترف البشير بوجود غلاء، لكنه قال إنه «مبرر»، بسبب ارتفاع الأسعار عالميا نتيجة للارتفاع في أسعار المواد البترولية.. وتدني الإنتاج المحلي والاستغناء عن السلع المستوردة، مشيرا إلى أن «أحسن وسيلة لمحاربة الغلاء هي المقاطعة لبعض السلع لفترات محدودة مثل ما حدث في مقاطعة اللحوم، وهي وسيلة فعالة لهبوط أسعارها، ولكن الأسلوب الأمثل هو تقليل الاستهلاك». وفي ما يلي نص الحوار..
* ماذا عن المشاركة السياسية للأفراد والقوى السياسية السودانية في التشكيل الوزاري المرتقب؟
- من برامجنا (الثابتة)، وثوابتنا هي توسيع المشاركة في العمل السياسي العام، إن البند الأول في برامجنا واستراتجياتنا هو السلام، والبند الثاني هو الوحدة الوطنية وإتاحة الفرصة للآخرين للمشاركة في العمل السياسي العام. والمشاركة لا تعني بالضرورة المشاركة في الحكم، بل في العمل السياسي العام. ونحن حاولنا ونحاول إشراك أكبر عدد من الأحزاب في الحكومة وحتى بعد الانتخابات ونتيجتها التي أعطتنا الأغلبية المطلقة لم ننفرد بالحكم، بل عملنا على إتاحة الفرصة للآخرين. وظللنا على حوار دائم مع الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، إلا من أبى. وكانت المحاور تتمثل في رؤية القوى السياسية في شكل الحكم وكيفية إدارة الشأن العام للدولة. ويمكن القول بأننا قد توصلنا إلى اتفاق حول البرنامج العام مع الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل). وما زال الحوار مستمرا مع حزب الأمة وقد تم الاتفاق على جوانب كثيرة بما يقارب الـ70 في المائة، وقد عبر عن ذلك الصادق المهدي (رئيس حزب الأمة القومي). ولكن البعض يرون في الأمر أن تكون رؤيتهم هي الصائبة، إلا أن الأمر هو نتيجة حوار وتواصل بين الناس حتى يصلوا إلى اتفاق. وهي مرحلة إدارة الحوار مع القوى السياسية، بغية الوصول إلى رؤية مشتركة ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة كيفية المشاركة في الحكومة.
* ما هي رؤيتكم لمعالجة مشكلة التمرد في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق من قبل الحركة الشعبية «قطاع الشمال» رغم أنكم سبق وأن حذرتم من سيناريو الانفصال الذي تعقبه الحرب؟
- ما حدث في جنوب كردفان والنيل الأزرق من تمرد يعتبر تراجعا كبيرا في مسيرة السلام. وإنني سبق وقد حذرت من هذا السيناريو بأن الاستفتاء ينجم عنه الانفصال، ومن ثم تحدث الحرب الأهلية لعلمنا التام بالتآمر على السودان، وهو أمر ليس بجديد، فقد بدأ التآمر منذ عام 1955 في شكله كتمرد، لكنه كإجراء لتقسيم السودان وزعزعة استقراره بدأ بصدور قانون المناطق المقفولة في القرن الماضي، وهو السبب الأساسي في التمرد وجميع مشاكل السودان، بحيث نجد أن التمرد الآن شمل تلك المناطق المقفولة. ومعلوماتنا تقول إن الاتفاقيات قد صممت لتغيير الحكم في السودان وبأن يكون التغيير من الداخل بعد مشاركة الحركة الشعبية في الحكم، وهذا المخطط عبرت عنه بعض القوى السياسية المناهضة لأميركا، إلا أن الأمر فشل وقد قبلوا في البدء بانفصال الجنوب، ونقول إن حيثيات التآمر لن تقف عند هذا الحد. وواضح بأن عدم اكتمال الترتيبات الأمنية لقوات الحركة في جنوب كردفان والنيل الأزرق كانت مقصودة حتى تكون نواة لقوات احتياطية لبدء تمرد جديد.
إذا أخذنا بداية الحرب في جنوب كردفان، لا يخفى على أحد أننا قد ارتضينا اللعبة السياسية الديمقراطية وأُجريت انتخابات حرة ونزيهة بشهادة المراقبين الدوليين والإقليميين والمحليين، وفشل عبد العزيز الحلو في الفوز وسقط في الانتخابات. وهذا تؤكده نتيجة الانتخابات في الدوائر الجغرافية، حيث نال المؤتمر الوطني (22) دائرة بينما حصلت الحركة على (10) دوائر، وهذا تأكيد على الثقل الشعبي للمؤتمر الوطني في المنطقة. والملاحظ أن نسبة التصويت كانت أعلى في المناطق التي تسيطر عليها الحركة وكانت تسميها (المناطق المحررة)، إذ وصلت إلى نسبة عالية جدا مع عدم وجود بطاقات تالفة مقارنة بالمناطق التي تسيطر عليها الحكومة، حيث نجد أن نسبة التصويت فيها ضعيفة، وقد وصلت في بعض المناطق إلى 30 في المائة مع وجود كثير من البطاقات التالفة. إذن الحديث عن وجود تزوير مردود عليهم لأن نسبة التصويت كانت 100 في المائة في مناطق الحركة، بينما وصلت نحو 30 في المائة في مناطق الحكومة. ووضحت نياتهم بأنهم يعدون العدة للحرب عندما سقطوا في الانتخابات، لذا قاموا بتسريب عدد كبير من قواتهم من مناطق الجنوب والنيل الأبيض إلى داخل جنوب كردفان وقد فوجئنا بوجود قوات إضافية من الحركة الشعبية في الموقع الذي به القوات المشتركة، وواضح أنهم قد أعدوا العدة لشن الحرب ودخول كادقلي والاستيلاء عليها، وبنوا حساباتهم بدخول كادقلي في ظرف ساعتين، وقد أبلغ الحلو عددا من الشخصيات، ومن بينهم المبعوث الأميركي ليمان، بأنهم سوف يقومون بعمليات عسكرية، ولكن إرادة الله كانت أقوى منهم وفشلوا في مخططهم وكانت خسارة كبيرة بالنسبة لهم بفضل تصدي القوات المسلحة لهم وسيطرتها على المدينة وكانت عملية كبيرة. وكان المخطط يهدف إلى شن الحرب في جنوب كردفان بالتزامن مع عمليات في النيل الأزرق وتنشيط عمليات بعض حركات دارفور في وقت معين والهدف التحرك صوب الخرطوم.
وفشل مخطط كادقلي دفع بمالك عقار إلى أن يتردد ويتراجع لأنه فقد ما كان يستمد قوته منه. ونعتقد أن هذا المخطط هو مخطط أجنبي يهدف إلى تغيير النظام ونعرف من يقف خلفه. ولديهم إحساس بأن الأمر في مصر قد خرج عن سيطرتهم وفشلوا في السيطرة على الساحة السياسية، لذا عليهم محاصرة مصر من بوابة السودان وليبيا. والواضح أن التطورات السياسية في المنطقة تتجه إلى عكس مصالح إسرائيل.
* هل من الوارد الدخول مع كل من مالك عقار، رئيس الحركة الشعبية، قطاع الشمال، وعبد العزيز آدم الحلو، نائب الرئيس، في محادثات تفاوضية للوصول إلى سلام في تلك المنطقتين؟
- إنه وفي سبيل تحقيق السلام قد فقدنا جزءا عزيزا من السودان (الجنوب) وسوف ندعم ونقف مع أي جهود لتحقيق السلام، ولكن هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها وهي أنه لا عودة لمشاكوس ولا بروتوكولات، وإنما لدينا بروتوكول خاص بالنيل الأزرق طبقا لاتفاقية نيفاشا، ولن نسعى إلى أي شيء جديد ما لم نطبق ما اتفق عليه، وهو أنه كما فعلنا نحن وطبقا لنيفاشا وحسب ما جاء في الترتيبات الأمنية، يجب أن تنسحب قوات الحركة من الشمال تماما. والعناصر الشمالية في قوات «SPLA» يتم تسريحها كما فعلنا نحن مع كل العناصر الجنوبية التي كانت تعمل في القوات المسلحة فسُرحوا بعد أن نالوا حقوقهم كاملة. وكما تعلم أن عدد الشباب (الشماليين) المسرحين من قوات الـ«SPLA» كبير جدا، وهم شباب منظمون ومدربون ويجب أن نجد لهم معالجة، وهي ليست جزءا من الاتفاقية، ولكنها جزء من مسؤولياتنا كحكومة تجاه مواطنيها الذين كانوا يعملون كجنود وضباط في الـ«SPLA» وشكلنا لجنة لدراسة ومعالجة الأمر، وخلص الأمر إلى أن يتم استيعابهم في القوات المسلحة والشرطة والخدمة المدنية العامة ودمج البقية في المجتمع، ولكن وضح بأنهم يريدون اتفاقية جديدة، ونعتبر أن وجود قوات الحركة وجود غير قانوني.
أما بالنسبة للعملية السياسية فالبروتوكول واضح جدا وهو المشورة الشعبية التي سوف تقوم بها المجالس التشريعية المنتخبة في جنوب كردفان والنيل الأزرق. فالنسبة للنيل الأزرق، فإن المشورة الشعبية قد قطعت شوطا بعيدا بنسبة 80 في المائة تقريبا، ولكن المشكلة تكمن في رأي المواطنين بالنسبة للولاية، التي لا تتوافق مع طموحات مالك عقار، الذي يطمع في أن تنتهي المشورة الشعبية بحكم ذاتي لولاية النيل الأزرق، بينما تطالب الجماهير بزيادة التنمية والخدمات. إذن ليس هناك مبرر لمالك عقار لافتعال مشكلة مع الحكومة. أما جنوب كردفان فللأسف وئدت العملية في مهدها، ولكننا ملتزمون بعمل المشورة الشعبية.
* ما هي خيارات الحكومة السودانية في حل القضايا العالقة بينكم وبين حكومة جنوب السودان، خصوصا في ما يتعلق بقضايا النفط والحدود المشتركة ومنطقة أبيي وغيرها؟
- بالنسبة للحدود، فإن اللجنة (لجنة الحدود) قد اتفقت على 80 في المائة من الحدود، ونحن نتفق معهم على شيء، ولكن بكل أسف هناك أناس وشخصيات نافذة في الحركة الشعبية وحكومة الجنوب يقومون بتعطيل الاتفاق. وقد اتفقنا على ترسيم الحدود المتفق عليها، وكان هذا قبل أكثر من سنتين، أما بالنسبة للمناطق المختلف حولها يظل الوضع الإداري الحالي قائما دون تدخل إلى أن يتم حسم الأمر حولها وهي مناطق جودة - كاكا التجارية - جبل المقينص، وهي في الحدود مع أعالي النيل ومنطقة كفياقنجي في دارفور وبحر الغزال.
بالنسبة للنفط، فالواقع يقول إنه هناك في دولتين متجاورتين عليهما التعايش معا.. فالنفط الذي كان جزءا من الشمال يجب تعويضه في الفترة الانتقالية إذا حصلت فجوة في خلال الـ4 سنوات المقبلة سوف تحدث نتيجة لفقدان النفط، فقدرناها بنحو 10 مليارات دولار، بينما قدرت من صندوق النقد الدولي بنحو 9 مليارات دولار، وكان الاتفاق على تغطية الفجوة هو أخذ 32 دولارا عن كل برميل من بترول الجنوب الذي يتم تصديره عبر السودان. وقد أعطينا حكومة السودان الجنوبي فترة انتقالية يتم فيها الاتفاق بنهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول)، وإذا لم نصل إلى حل فلدينا خياراتنا لحل هذه المسألة.
* ماذا عما يتردد في بعض الأوساط السياسية والصحافية عن وجود خلافات داخل المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم)؟
- الحديث عن خلافات داخل المؤتمر الوطني في الواقع أمنيات لبعض القوى السياسية.. فنحن حزب مفتوح نناقش أمورنا وقضايانا بحرية وشفافية كاملة وليست هناك مشكلة بأن يكون الناس مختلفين في الرأي حول قضية، لكن في نهاية الأمر يلتزم الجميع بالقرار الذي تتفق عليه الغالبية، وكنموذج لهذا الكلام، أن الأخ نافع قد وقع اتفاقية (الاتفاق الإطاري مع الحركة الشعبية) هذا الاتفاق عُرض داخل المكتب القيادي للمؤتمر الوطني وبعد نقاش صريح ومستفيض وجاد استمر من الساعة التاسعة مساء وحتى الرابعة صباحا، لم يجامل المكتب القيادي للمؤتمر الوطني الأخ الدكتور نافع علي نافع (مساعد رئيس الجمهورية)، وقد كانت الجلسة برئاسته وهو الذي وقع الاتفاقية، فقد رفض المكتب القيادي الاتفاقية. والشخص الذي نورني وأطلعني بما دار في المكتب القيادي هو نافع شخصيا وشرح لي الاتفاقية وما دار في المكتب القيادي وفي النهاية نُفذ قرار المكتب القيادي الرافض للاتفاقية. والناس يقولون بأن الرئيس هو الذي رفض القرار مع أنني لم أشارك أصلا في النقاش، فأنا رئيس المكتب القيادي للمؤتمر الوطني والمسؤول عن إبلاغ المواطنين بالقرار. وهذا يؤكد بأننا حزب منفتح وليس هناك شخص يفرض رأيه ولا يعني الرأي الآخر بأن هناك انشقاقا، وهذا هو إثراء حقيقي للعمل الديمقراطي.
* ماذا عن خليفتكم في رئاسة الجمهورية في حال عدم ترشحكم لدورة رئاسية مقبلة، هل يستبعد في أمر الخلافة جيل مواليد الأربعينات لإتاحة الفرص للأجيال الأخرى؟
- أنا لا أقول الخليفة في رئاسة الجمهورية، بل نقول مرشح المؤتمر الوطني لرئاسة الجمهورية، وفي نهاية الأمر أن الشعب السوداني هو الذي يختار الرئيس وأن السلطة هي سلطة المؤتمر العام، وهو، أي (المؤتمر) العام، الذي ينتخب رئيس المؤتمر الوطني، وبحسب نظام المؤتمر الوطني فإن رئيس المؤتمر الوطني هو مرشحه لرئاسة الجمهورية. فأي حديث عن خليفة بالاسم ليس واردا لأن السلطة هنا هي سلطة المؤتمر الذي ينتخب بدوره رئيس المؤتمر الوطني، وبالتالي يكون مرشحه لرئاسة الجمهورية. نعم أنا أدعو إلى تجديد شباب الحزب والدولة وذلك لإتاحة الفرصة للشباب لأن الشباب طاقة، ويجب أن تتاح لهم الفرصة للتدريب للقيادة.. وأعتقد أن الحكومة التي شُكلت بعد الانتخابات كان بها نسبة كبيرة للوزراء الشباب ووزراء الدولة وبعضهم أصبح الآن وزراء بالإنابة. وأعتقد أن لدينا طاقما شبابيا ممتازا جدا، وهذا لا يعني أننا قد نستغني عن الشخصيات الكبيرة، فكل من له القدرة على العطاء سوف يستمر ويواصل. ومن جانبي أدعو إلى اتباع سياسة ومعايير في كيفية اختيار القيادات ومن ضمن هذه المعايير عامل السن، وهو مقترح مني ولم يعمل به أو ينفذ حتى الآن أو يصبح الخيار السائد.
* ما هي مرئياتكم حول معالجة الأوضاع الاقتصادية بمفهوم مشكلة المعيشة اليومية للمواطن السوداني، خصوصا المتعلقة بمعاناة المعيشة الحالية بسبب غلاء الأسعار الفاحش؟
- بالنسبة للغلاء أعتقد أن هناك غلاء مبررا (كالسلع المستوردة)، فمعلوم أن العالم الآن يعاني من موجة ارتفاع الأسعار نتيجة للارتفاع في أسعار المواد البترولية التي هي أساس الإنتاج سواء كان إنتاجا صناعيا، أو زراعيا أو خدميا، فهذا جزء من أسباب الغلاء، والسبب الثاني هو أن التدني في سعر العملة الوطنية يؤدي بدوره إلى ارتفاع وزيادة الأسعار. وأعتقد أن الحل يكمن في التوسع في الإنتاج المحلي والاستغناء عن السلع المستوردة. هناك بعض السلع الداخلية كالطماطم مثلا، «غذاء الفقراء» كما يسميها الصحافيون، تكون رخيصة ومتوفرة في موسم إنتاجها (الشتاء) لكنها عندما تنتج خارج موسمها تكون إنتاجيتها ضعيفة وتكلفتها عالية، أضف إلى ذلك أن هناك آفة ظهرت في هذا الموسم أصابت الطماطم ولم تفلح معها كل المبيدات، لذا ارتفع سعرها. والآن هناك دراسة في وقاية النباتات لإيجاد مبيد لهذه الحشرة المستحدثة. أما بخصوص اللحوم، فإن الزيادة في أسعارها غير مبررة ونتجت عن المضاربات بين التجار، لأن أغلب المواشي ترعى في مراع طبيعية، وبالتالي تكلفة إنتاجها قليلة. فأحسن وسيلة لمحاربة غلاء أسعارها هي المقاطعة التي نادت بها جمعية حماية المستهلك. وهي وسيلة فعالة لهبوط أسعارها. فالأسلوب الأمثل هو تقليل الاستهلاك. ومن ناحية الدولة فإن دورها يتمثل في رفع الضرائب والجبايات وتيسير ترحيلها من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك وتوفير المياه والحماية الأمنية حتى تصل إلى الأسواق.
* ماذا عما يتردد في الشارع السياسي بأنكم سترفعون الدعم عن بعض السلع الضرورية وماذا عن سعيكم إلى إلغاء ديون السودان الخارجية؟
- أعتقد أن الدعم هو ظلم بكل المقاييس للدولة وللمواطن، وخصوصا المواطن الضعيف أو الفقير أو صاحب الدخل المحدود، لأن الدعم غير المباشر هو دعم لسلع استهلاكية تدعم بدورها المستهلكين، وكنموذج لذلك سلعة السكر، فنجد استهلاك الشخص الفقير قليلا ويتراوح بين اثنين وثلاثة أكواب شاي في اليوم، مقارنة باستهلاك أكبر للأشخاص المقتدرين (حلويات والبارد)، فبالتالي نحن ندعم المستهلك الكبير، وهذا الدعم يأتي من أموال الدولة (المال العام) وليس من أموال عمر البشير أو وزير المالية، فبالتالي أنت تأخذ مال المواطن الفقير وتدعم به المقتدر.
نحن نريد تحويل الدعم من دعم غير مباشر إلى دعم مباشر بحيث يكون الدعم للفقراء والمساكين، والآن وزارة الضمان الاجتماعي تقوم بعمل حصر للأسر الفقيرة التي تحتاج فعليا إلى الدعم الحقيقي، وذلك بدعم أبنائها الطلاب في الجامعات أو بتقديم دعم عيني لتلك الأسر. أما الدعم الثاني فهو لذوي الدخل المحدود (العاملين في الدولة والمعاشيين)، وقد كانت التجربة السابقة هي رفع جزء من الدعم عن المواد البترولية والسكر، وحولنا عائد الدعم إلى دعم مباشر لمحدودي الدخل (زيادة المرتبات والمعاشات). والشيء الآخر هو أن الدعم غير المباشر تشجيع لتهريب هذه السلع إلى دول الجوار. إذن الدعم غير المباشر يستفيد منه المستهلكون الكبار والمقتدرون أو يقود إلى تهريب المواد المدعومة. وهناك فئة ثالثة تستفيد من الدعم غير المباشر مثل السفارات والمنظمات كلهم يأخذون سلعا مدعومة (إذن نحن ندعم السفير الأميركي في الخرطوم.. ضاحكا).
أما بالنسبة للديون، فمن الناحية الفنية كل المؤسسات الدولية تؤكد أننا قد استوفينا كل الشروط لرفع الديون؛ أولا: نحن دولة خارجة من حرب. ثانيا: نحن نعتبر من الدول الأقل نموا. ثالثا: قمنا بعمل برنامج اقتصادي لإعادة هيكلة الاقتصاد السوداني، وقد كان برنامجا ناجحا بشهادة جميع هذه المؤسسات. إذن نحن قد استوفينا كل الشروط لرفع الديون، والمتبقي هو القرار السياسي، ونحن لم نقف مكتوفي الأيدي، فقد تحركنا نحو الدول الكبيرة صاحبة النفوذ، مثل بريطانيا وأميركا وفرنسا، مع إشراك بعض الدول العربية.
* لم نسمع عن إجراءات إنشاء مفوضية مكافحة الفساد بعد إعلانكم عنها، فهل زالت أسباب الدعوة إلى إنشائها، أم أنكم غير مقتنعين بأن هناك فسادا بين أعضاء الحكومة والمؤتمر الوطني؟
- لقد قمنا بطرح فكرة إقامة مفوضية لمكافحة الفساد، وبالتالي هذه المفوضية تعتبر جسما حكوميا، وكان من المفترض وجود جسم غير حكومي يقوم على الشفافية لمكافحة الفساد. وكحكومة، فإن وزير العدل قد قدم رؤيته وطرحه حول هذا الأمر. ونعتقد الآن أن هناك من الكثير الآليات الحكومية الكافية لمكافحة الفساد تتمثل في قانون الثراء الحرام، وهو قانون متقدم بتفعيله يمكنه تغطية ومعالجة جزء كبير من الفساد. أما الجسم الثاني فهو ما يسمى بنيابة المال العام، وأعتقد أن هذين الجهازين كافيين جدا لتغطية الجهد الحكومي لمكافحة الفساد، والمتبقي هو الجانب الشعبي الذي يتمثل في المفوضية.
ولكن للأسف، الحافة بدلا من أن تشكل الرأي العام أصبحت تتأثر بالكلام الذي يدور في المجالس دون أدلة دامغة، وأن أحد الصحافيين كان أكثر شخص يكتب ويتحدث عن الفساد، فعندما استدعاه وزير العدل وشرح له قانون الثراء الحرام ونيابة المال العام وعملهما وقال له هات ما عندك من أدلة ووثائق ومستندات لنرى هل هي تندرج تحت قانون الثراء الحرام أم نيابة المال العام، فقال إنه ليس لديه دليل، وعندما سئل عما يكتب قال إن الناس هم الذين يتحدثون عن وجود فساد. لكن لدينا اتجاه آخر، فبدلا من أن ننشئ مفوضية لمكافحة الفساد هناك اتجاه بعمل جزء من مكتبنا لمتابعة ما يكتب في الصحف عن الفساد والتحري عنه.
* ماذا عن علاقتكم مع مصر بعد الثورة ومع ثوار ليبيا من حيث رسم سياسات خارجية ذات أبعاد استراتيجية؟
- بالنسبة للثورة في مصر هي ثورة شارع وليس لديها أي قيادات حتى يمكن التعامل معها، وبالمناسبة فإن الثورة لم تستمر طويلا (18 يوما). فقد قمنا فورا بالاتصال بإخواننا في المجلس العسكري لأننا نعتبر أن العلاقة بين مصر والسودان هي علاقة خاصة ومتينة ولها أبعاد كثيرة، فقد قمنا بعقد جلسة (هنا) مع المجلس العسكري، ولكننا نعتبر أن هذه كلها أجسام انتقالية، لذا لم نسعَ إلى حل القضايا الأساسية مثل قضية حلايب، وهي قضية محورية. فلا نريد تحميل وزر بعض القضايا للأجسام الانتقالية وننتظر تشكيل الحكومة المستدامة. ويمكننا القول بأن كثيرا من الفتور والغبش والأشياء السالبة في العلاقة بين مصر والسودان قد انتهت.
وأقول بصريح العبارة إن مصر في عهد حسني مبارك كانت جزءا من التآمر على السودان، ولكن الآن المجلس العسكري المصري لديه قناعة تامة بأن السودان يمثل أمنا قوميا لمصر، سواء كان أمنا غذائيا، أو مائيا، أو عسكريا أو معلوماتيا أو غيره.. وأعتقد أنها رؤية ممتازة ومهمة كانت غائبة عن النظام المصري السابق. ونحن على قناعة تامة بأن من يأتي سوف يكون إفرازا لثورة شعبية ويأتي عبر الانتخابات التي ستكون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات فنحن مطمئنون للغاية على مستقبل علاقتنا مع مصر. أما في ما يتعلق بليبيا فأعتقد أننا أكثر الناس تضررا من نظام القذافي بعد الشعب الليبي، لذلك لم نتردد في التعامل مع الثوار ودعمهم وتوفير ما يحتاجونه. ولكن للأسف ليبيا ليست لديها مؤسسات ومنظمات سياسية كمصر، إذ إن الشعب الليبي كان متوحدا لإزاحة القذافي، وكان همنا الأول هو أن لا تتحول ليبيا إلى صومال جديد، لأن سيناريو الصومال هو أن كل الشعب كان متوحدا ضد سياد بري وعند سقوطه كان الاختلاف، وتخوفنا هو اختلاف الشعب الليبي بعد سقوط القذافي. طبعا هناك تدخلات خارجية تحاول التأثير على المجلس الوطني الانتقالي، وبالتالي على الحكومة الجديدة المرتقبة، وعندما أيقنت هذه التدخلات الخارجية من ضعف نفوذها وتأثيرها على الوضع في مصر، فبالتالي يريدون التأثير على الوضع القادم (الحكومة الجديدة) في ليبيا حتى لا تكون عمقا لمصر. وكما تعلم بأن ليبيا لديها إمكانات ضخمة وجاذبة، وتنتج ما يقارب المليون ونصف المليون برميل من النفط يوميا، وعدد سكانها يبلغ 4 ملايين نسمة فقط، ولديها ساحل طويل وممتد على البحر الأبيض المتوسط قبالة أوروبا.

0 التعليقات :

إرسال تعليق