Featured Video

عذراً سلفا كير..انهم احفاد الزبير باشا!

عذراً سلفا كير..انهم احفاد الزبير باشا!

رشا عوض


في السادس عشر من يناير الجاري أي غداة انتهاء التصويت على الاستفتاء على حق تقرير مصير السودانيين الجنوبيين، خاطب النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب الفريق أول سلفاكير مياردت المصلين في كاتدرائية القديسة تريزا للكاثوليك في جوبا عقب قداس الأحد، وفي خطابه دعا الجنوبيين إلى مسامحة الشماليين على الحروب التي خاضوها ضدهم وأضاف "من اجل اشقائنا وشقيقاتنا الذين فقدناهم، وخصوصا الذين رحلوا عنا خلال المعارك، ليباركهم الله وليعطهم الراحة الابدية، اما نحن فعلينا مثلما فعل السيد المسيح على الصليب ان نغفر للذين تسببوا في قتلهم".عندما نقلت وسائل الإعلام هذا الخبر أقامت الأقلام الموالية للمؤتمر الوطني الدنيا ولم تقعدها!! واعتبرت أن تصريحات السيد سلفا كير استفزازية للشماليين وهاجمته على هذا الأساس!!


في اليوم التالي لهذه التصريحات طالعتنا صحيفة الرأي العام بعمودين للأستاذين راشد عبد الرحيم ومحمد عبد القادر، راشد عبد الرحيم روى رواية مفجعة عن جدته التي رزئت بفقدان ابنها البكر الذي كان (ركازة البيت) وكانت تجهز لعرسه فقتله الجنوبيون في أحداث توريت مطعونا محروقا، ومحمد عبد القادر روى رواية أخرى عن خالته التي نزع جندي جنوبي ابنها ذي العشرة أشهر حتى فارق الحياة في ذات الأحداث، وذلك في سياق استنكارهما لدعوة السيد سلفاكير الجنوبيين لمسامحة الشماليين، وكأن السيد سلفا كير أو أي واحد من أبناء شعب الجنوب ليست لديه قصص وروايات مماثلة بل أكثر بشاعة وقسوة عن أقارب قتلوا أوأحرقوا أحياء أو تشتت شملهم بعد أن أحرقت قراهم وهذا على مدى سنوات الحرب التي استغرقت أكثر من عشرين عاما وليس يوما أو بعض يوم كأحداث توريت! الجنوب كان هو مسرح القتال وبداهة كانت المعاناة فيه أطول عمرا وأفتك أثرا وعدد ضحاياه لا يقارن بعدد الشماليين، فليس هناك أساس للمقارنة أصلا، ولكن العنصرية المستوطنة في نفوس البعض تفقدهم الإحساس بعذابات الآخرين،


الكاتبان جعلا تاريخ العلاقة بين الشمال والجنوب يبدأ في أحداث توريت عام 1955 ، وهي الأحداث التي تعرض فيها عدد من المدنيين الشماليين الأبرياء للقتل والتنكيل، وقتل الأبرياء والتنكيل بهم أمر لا يمكن تبريره أو اللجلجة في إدانته واستنكاره، ولكن الفاجعة أن الكاتبين استدعيا تلك الأحداث وجعلا عقارب الساعة تتوقف عندها بحيث تكون هي الحدث الضخم الكبير الذي حدث دون مقدمات تاريخية قادت إليه، وبقي هو الحدث الوحيد فلم تعقبه أحداث أخرى أكثر ضخامة ومأساوية منه، في عملية تجهيل وتضليل وتزييف مكتملة الأركان هدفها تحويل الشمال بصورة دراماتيكية إلى ضحية مظلومة ومجني عليها وتبرئته من كل خطأ طيلة تاريخ العلاقة بين الشمال والجنوب،هل يليق بمن منحوا أنفسهم الحق في ممارسة التأثير في الرأي العام وبالتالي المساهمة في صياغة الوعي السياسي والاجتماعي أن يفسروا أحداث توريت بأنها مجرد حقد جنوبي هبط من السماء وليست له جذور تاريخية ومسببات اجتماعية! هل يستقيم عقلا وعلما وخلقا ودينا الحديث عن هذا الحقد دونما إشارة ولو عابرة إلى مؤسسة الرق التي عرفها المجتمع السوداني وهي السبب المسكوت عنه في تسميم العلاقة بين الشمال النيلي والوسط المستعرب وبقية شعوب السودان ذات الأصول الزنجية؟!

لا سيما أن هذه المؤسسة(مؤسسة الرق) ذات ثقافة متكاملة في تحقير الآخر القادم من الجنوب أو الغرب أو جبال النوبة، ثقافة لها مفرداتها القبيحة وأمثالها السقيمة الحية حتى الآن، ووعي أهل الشمال والوسط لم يتحرر من أسر مفاهيم هذه المؤسسة، بل إن منهم من يمجد الزبير باشا وهو نخاس كبير، ويرى فيه بطلا قوميا! وفي عاصمتنا شارع باسمه فهو الشجاع المقدام الذي حضر (العبيد) وجيشهم للدفاع عن بيضة الإسلام! الدكتور منصور خالد في سفره الرائع (جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي) علق على هذا الموقف من الزبير باشا بقوله:"هي نظرة ظلت تتملك فكر أهلنا في الشمال، بمن في ذلك الثقاة العارفين منهم، من أولئك الأستاذ العالم عبدالله الطيب الذي لم يجد له طللا يتوسل به في بكائيته على ضحايا أحداث الجنوب في الخمسينات غير قبر الزبير: ألا هل درى قبر الزبير بأننا/ نذبح وسط الزنج ذبح البهائم) هذا البيت من الشعر هو الفصل الأخير في رواية أحداث توريت وهو فصل مهم بدونه لا يمكن فهم الفصول الأخرى !

وإمعانا في الاستعلاء(الإنقاذي) الأجوف كتب الأستاذ راشد عبد الرحيم في ذات عموده البائس (لقد كان الشمال متسامحاً معكم سيد سلفا كير للحد الذي وضعكم فيه على أعتاب دولة جديدة، واقتسم معكم (الملح والملاح) وصنع لكم التشريفات وصولجان الرؤساء و(أبهة) الحاكمين، ولكنه للأسف لم يجد منك إلاّ الجحود ونكران الجميل)!!


الذي وضع السيد سلفاكير وشعبه على أعتاب الدولة الجديدة هو كفاحهم المسلح لأكثر من عشرين عاما، والذي ضمن لهم قسمة(الملح والملاح) وصولجان الرؤساء وأبهة الحاكمين هو جيشهم الذي عضوا عليه بالنواجذ! ورحم الله الشهيد جون قرنق الذي وقف( ألف أحمر) أثناء المفاوضات في قضية الاحتفاظ بجيشه! ولو لم يفعل ذلك لذهبت (نيفاشا) في طريق (أديس أبابا) أو (اتفاقية الخرطوم للسلام)، ولاحتل حق تقرير المصير موقعه في سلسلة نقض العهود والمواثيق! ولا أظن أن راشد عبد الرحيم غافل عن حقيقة حزبه الذي(يخاف ولا يستحي) ولا يعرف معنى التسامح وقسمة(الملح والملاح الوطني) إلا تحت ضغط السلاح والعصا الأمريكية الغليظة!! ولكنه كإنقاذي لا بد أن يبخس الناس أشياءهم!


وبذات منهج راشد عبد الرحيم ومحمد عبد القادر كتب الأستاذ عبد المحمود نور الدايم الكرنكي بصحيفة ألوان عدد الخميس 20 /يناير الجاري ساخرا ومستنكرا تحت عنوان (غرائب دولة الجنوب الانفصالية: سلفاكير كتر خيرك وبارك الله فيك)، في مقالته هذه كسرعنق الحقيقة ونفى تماما أن تكون هناك عنصرية في الشمال ضد الجنوب، وذكر قائمة طويلة تضم أسماء لجنوبيين تخرجوا من الجامعات السودانية واستفادوا من منح دراسية وردد مزاعم جوفاء عن تنمية الشمال للجنوب وعلى هذا الأساس طالب الجنوبيين بتقديم الشكر الجزيل لحكومات الشمال على التنمية والتعليم!! شكر على ماذا؟ هل الجنوبي في السودان لاجئ أجنبي عليه أن يشكر الدولة المضيفة على خدماتها؟ وأية تنمية هذه التي لا ترى بالعين المجردة في الجنوب الذي يبدأ الآن من تحت الصفر بسبب الإهمال المتطاول له؟ ولماذا لم يشكر الكرنكي واخوته الإسلاميون الشعب السوداني الذي علمهم مجانا فكان ردهم للجميل بعد أن حكموا هو إلغاء مجانية التعليم، والعجب العجاب في مقالة الكرنكي هو قوله ان(تصريحات سلفاكير عن (المسامحة) تبني سور الصين العظيم من الكراهية ليفصل بين الجنوبيين والشماليين إلى الأبد)!!! كيف تبني دعوة مسامحة سور كراهية؟


بأي منطق إنساني وأخلاقي دعوة السيد سلفا كير لشعبه إلى التسامح ونسيان الماضي هي دعوة نبيلة وكريمة إذ ان شعبه هو الخاسر الأكبر من الحرب الأهلية، ولا يمكن أن يتناطح كبشان حول ان شعب الجنوب هو من دفع القسط الأكبر من فاتورة الحرب اللعينة أرواحا تحسب بمئات الآلاف ومجتمعات دمرت بالكامل ونزوحا مرا وتشردا قاسيا، ولا يمكن لأي منصف أن يقارن خسائر الشمال بخسائر الجنوب لا كما ولا كيفا! وبالتالي فإن المنطق الإنساني والأخلاقي يقتضي أن يتقدم الشمال بالاعتذار ويطلب الصفح والسماح، وهذا الواجب من المفترض أن يبادر بتأديته المستنيرون من أهل الشمال ولا سيما الذين يعملون في الفضاء الإعلامي بحكم مسئوليتهم المباشرة عن الارتقاء بوعي عامة الناس والمساهمة في علاجهم من داء العنصرية والتعصب، وهو دور لا نتوقع من الأقلام الموالية للمؤتمر الوطني القيام به بحكم أن هذا الحزب هو النموذج الذي يجسد ثقافة الاستعلاء العنصري في الشمال في أكثر صورها سفورا ووقاحة، ولهذا السبب لم يكن مفاجئا أن تتناول تلك الأقلام دعوة السيد سلفاكير بصورة سلبية، ولكن المفاجيء حقا كان درجة العدوانية والعنف اللفظي الذي قابلت به تلك الأقلام دعوة التسامح التي وجهها السيد سلفا كير لشعبه ولم يوجهها للشمال ولم تتضمن أي سرد لمآسي أواجترار لمرارات!! لقد كنا نظن أن العنصرية المتأصلة في الشمال والتي تمثلها تلك الأقلام تقف عند حد رفض الاعتذار للجنوب ولكن لأن أهل المؤتمر الوطني دائما ما يفوقون سوء الظن العريض فقد فجعتنا أقلامه بأن عنصريته لا تقف عند حد رفض الاعتذار بل تتجاوز ذلك إلى مطالبة الضحايا بالاعتذار لجلاديهم الذين استرقوهم واضطهدوهم وقتلوا منهم مئات الآلاف وأحرقوا قراهم وجعلوا من قتلهم سببا لدخول الجنة! ليس هذا فقط بل إن أحد أسباب انفجار تلك الأقلام بهذه الصورة الهستيرية أمام دعوة السيد سلفاكير هو استنكار أصحابها (لا شعوريا) لأن يمارس الجنوبيون إنسانيتهم! يتذكرون الأرواح التي فقدوها ويحزنون ثم يقررون بمحض إرادتهم بحكمة ووعي يتطلع للمستقبل مسامحة القتلة في تفوق أخلاقي حاسم على هؤلاء القتلة الذين ظلوا يكابرون ويمتنعون عن مجرد الاعتراف بأخطائهم في حق الآخرين ناهيك عن السعي لتصحيحها، فهؤلاء لا يحتملون رؤية الجنوبي يقرر شيئا ما حتى لو كان هذا الشيء مسامحة جلاده!! لذلك يكثرون من عبارة(من يسامح من؟) و(من يعتذر لمن؟) لأن الشمال في نظر هؤلاء العنصريين مبرأ من كل عيب ومن كل خطيئة، وتهميشه للآخرين وممارسته للاستعلاء عليهم وازدرائهم على أسس عرقية هو ناموس طبيعي وبداهة يجب أن يتقبلها هؤلاء الآخرون ليس من حق أحد مجرد الاعتراض عليها ناهيك عن ان يحمل سلاحه ضدها متمرادا! أما مطالبة الشمال بالاعتذار فهي جريمة! وإذا بادر الجنوب وفكر في أن يسامح فهذه جريمة أكبر لأن مجرد الحديث عن المسامحة يتضمن اتهاما للشمال بأنه أخطأ في حق الآخرين وتعالى الشمال عن ذلك علوا كبيرا!! فالشمال لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!! هذه هي الذهنية العنصرية وهذه هي طريقة تفكيرها، ولن يغير من حقيقتها مزاعم الأستاذ / محمد عبد القادر حول محبته لاخوته الجنوبيين فهو لا يحبهم كاخوة أنداد بل يحبهم كما يحب الرجل (أشياءه) التي ليس من حقها أن تفكر أو تغضب أو(تسامح)!! هنيئا للزبير باشا بأحفاده الذين؛ ليس من صلبه، لكنهم يستحضرون روح تجارته البائدة من حين لآخر في أعمدتهم الصحفية التي تخاطب أهل القرن الحادي والعشرين!

0 التعليقات :

إرسال تعليق